في الفصل الختامي لثلاثية المخرج روي أندرسون حول الوجود البشري، نتابع رحلة البائعين المتجولين البائسين سام وجوناثان، اللذين يجوبان مدينة سويدية رمادية لبيع أدوات ترفيهية سخيفة مثل "أنياب مصاصي الدماء" و"كيس الضحك"، في محاولة يائسة لجلب المتعة لأشخاص لا يرغبون فيها. عبر سلسلة من المشاهد السريالية التي تمزج الماضي بالحاضر، بما في ذلك جيش من القرن الثامن عشر يقتحم مقهى حديثاً، وآلة مرعبة تستغل البشر، يطرح الفيلم تساؤلات فلسفية عميقة ومضحكة في آن واحد حول الموت، الديون، والعبثية الكامنة في حياتنا اليومية.
معلومات عامة |
|
|---|---|
اللغة الأصلية |
|
بلد الإنتاج |
|
تاريخ الإصدار |
|
مدة العرض |
|
النوع |
|
الميزانية |
|
الإيرادات |
|
طاقم العمل |
|
إخراج |
|
إنتاج |
|
كتابة |
|
موسيقى |
|
مدير التصوير |
|
تحرير |
|
شركة الإنتاج |
|
شركة التوزيع |
|
أبرز الممثلين |
|
الفيديو الدعائي |
|
السلسلة |
ترتيب الفيلم رقم 3
في سلسلة أفلام ثلاثية العيش
|
الرؤية الفنية والسيرة المهنية
يتوج المخرج روي أندرسون مشروعه السينمائي الطموح بهذا الفيلم الذي نال جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي، ليصبح أول فيلم سويدي يحقق هذا الإنجاز. في هذا العمل، وصل أسلوب أندرسون القائم على "اللوحات الثابتة" (Static Tableaux) إلى قمة نضجه ودقته، حيث استغرق الإنتاج أربع سنوات لتصميم 39 مشهداً فقط، تم بناء كل تفصيلة فيها يدوياً. يختلف هذا الفيلم عن سابقيه في السلسلة، Songs from the Second Floor (2000) وYou, the Living (2007)، بتركيزه الأكبر على التاريخ والذاكرة الجمعية، دامجاً الأزمنة ببعضها في مشهد واحد دون أي قطع مونتاج، مما يخلق شعوراً بأن الماضي لا يموت بل يسكن الحاضر.
اعتمد الفيلم على الثنائي هولجر أندرسون ونيلز ويستبلوم (ممثلين غير محترفين) لتجسيد دوري "جوناثان" و"سام"، وهما نسختان معاصرتان ومكتئبتان من (دون كيشوت) و(سانشو بانزا). يجسد أداؤهما البطيء والجامد كوميديا الموقف ببراعة، حيث يعبران عن اليأس الإنساني بوجوه مطلية باللون الأبيض الشاحب، وهي سمة مميزة لشخصيات أندرسون التي تبدو وكأنها أشباح عالقة في عالم بيروقراطي ميت. نجح الثنائي في تحويل عبارات مثل "نحن نريد مساعدة الناس على الاستمتاع" إلى جمل تراجيدية تثير الشفقة والضحك في آن واحد.
نقدياً، يُعد الفيلم تأملاً بصرياً مذهلاً في أفلام عقد 2010، حيث يطرح تساؤلات حول "تفاهة الشر" والذنب التاريخي، خاصة في مشهد "الآلة النحاسية" الصادم الذي ينتقد الاستعمار والاستغلال البشري. استخدم أندرسون عمق المجال (Deep Focus) ليجعل كل تفصيل في الكادر مهماً، من مقدمة الصورة وحتى الخلفية البعيدة، مما يجبر المشاهد على تأمل اللوحة كاملة والبحث عن المعنى في الزوايا، مقدماً تجربة سينمائية أقرب لزيارة معرض فني منها لمشاهدة فيلم تقليدي.
الحبكة
ثلاثة لقاءات مع الموت
يفتتح الفيلم بثلاثة مشاهد قصيرة تُعرف بـ "لقاءات مع الموت". في المشهد الأول، يحاول رجل فتح زجاجة نبيذ بينما تحضر زوجته العشاء، لكنه يصاب بنوبة قلبية ويموت فجأة، وتستمر الزوجة في المطبخ دون أن تدرك ما حدث، بينما تدور آلة فتح الزجاجات بصوت مزعج. في المشهد الثاني، تحتضر امرأة مسنة في المستشفى وهي تتشبث بحقيبتها اليدوية المليئة بالمجوهرات، رافضة تركها لأبنائها الذين يحاولون انتزاعها منها، مما يظهر عبثية التمسك بالماديات حتى اللحظة الأخيرة. في المشهد الثالث، يموت راكب في مقصف عبارة بحرية بعد أن دفع ثمن وجبته وشطيرته، مما يثير نقاشاً بيروقراطياً بين طاقم السفينة حول ما يجب فعله بالطعام المدفوع ثمنه، ليقرر قبطان السفينة في النهاية تقديمه "مجاناً" لأي شخص يريده.
البائعان المتجولان ورحلة الفشل
نتعرف على الشخصيتين الرئيسيتين، سام وجوناثان، وهما بائعان متجولان بوجوه شاحبة وحقيبة مليئة ببضائع "نكتة" كاسدة: أنياب مصاص دماء، كيس ضحك، وقناع "العم ذو السن الواحد". يتنقلان من متجر لآخر ومن مكان لآخر، يكرران نفس الجملة الميكانيكية: "نحن نريد مساعدة الناس على الاستمتاع". لكن بضاعتهما لا تجد مشترياً، والناس من حولهم غارقون في الحزن واللامبالاة. جوناثان (الأطول والأكثر حساسية) يبكي دائماً ويشعر بالذنب تجاه كل شيء، بينما سام (الأقصر والمتسلط) يوبخه باستمرار لأنهما مدينان للموردين ولا يبيعان شيئاً.
في أحد المشاهد الغريبة، يضيع البائعان العنوان ويبحثان عن مكان يسمى "لوتا العرجاء". يدخلان حانة، وفجأة يتغير الزمن ليعود إلى القرن الثامن عشر (عام 1703). يدخل الملك السويدي كارل الثاني عشر (Charles XII) مع جيشه العظيم على جواده إلى الحانة الحديثة، ويطلب ماءً معدانياً. يقوم الملك بمغازلة نادل شاب وسيم، ويأخذه معه للحرب، بينما ينظر الزبائن المعاصرون بصمت وذهول. لاحقاً، في نفس الحانة، نرى جيش الملك يعود مهزوماً ومحطماً بعد معركة بولتافا، بينما تبكي النساء الأرامل في الخلفية، في دمج مذهل بين أمجاد الماضي وكوارثه.
آلة الموت والتساؤل الأخلاقي
يصل الفيلم إلى ذروته في كابوس يراود جوناثان. نرى مجموعة من الجنود البريطانيين في الحقبة الاستعمارية يسوقون عدداً كبيراً من العبيد الأفارقة المقيدين بالسلاسل ويدخلونهم قسراً في أسطوانة نحاسية ضخمة ومزخرفة تدعى "آلة بوليدن". يتم إغلاق الآلة وإشعال النار تحتها، بينما تدور الأسطوانة ببطء مصدرة أصوات صراخ تتحول بفعل الأنابيب الموسيقية للآلة إلى موسيقى عذبة. يشاهد هذا المنظر حشد من كبار السن الأثرياء بملابس السهرة، يشربون الشمبانيا ويستمتعون بالموسيقى الناتجة عن حرق البشر.
يستيقظ جوناثان مذعوراً ويحكي لرفيقه سام عن شعوره بأن "الناس ليسوا سعداء"، وأنه يشعر بالذنب لأنه ربما يكون قد استغل الناس بطريقة ما. في المشهد الختامي، يقف البائعان في متجر مليء بأشياء غريبة، ويتساءل جوناثان بصوت عالٍ عما إذا كان من الصواب استخدام البشر من أجل المتعة، لكن البائع يخبره أن اليوم هو الأربعاء (يوم عادي) وأن عليهما المغادرة. ينتهي الفيلم بلقطة ثابتة لمجموعة من الناس تنتظر الحافلة تحت المطر في يوم رمادي آخر، مؤكداً استمرار الحياة برتابتها وغموضها.
الأسئلة الشائعة
ما معنى عنوان الفيلم وعلاقته بالحمامة؟
العنوان مستوحى من لوحة الرسام الفلمنكي (بيتر بروغل الأكبر) بعنوان "الصيادون في الثلج"، حيث تظهر طيور تراقب البشر من أعلى الأشجار. الحمامة هنا ترمز إلى المراقب الصامت الذي ينظر إلى تصرفات البشر وحماقاتهم من مسافة بعيدة وتتساءل عن معنى وجودهم.
هل مشهد الملك كارل الثاني عشر حقيقي تاريخياً؟
الملك كارل الثاني عشر شخصية حقيقية حكمت السويد وقادتها في حروب مدمرة، لكن ظهوره في الفيلم هو "مفارقة تاريخية" (Anachronism) متعمدة من المخرج لدمج الماضي بالحاضر، وللتذكير بأن تاريخ السويد الإمبريالي لا يزال يلقي بظلاله على الحاضر.
ما دلالة الآلة النحاسية التي تحرق البشر؟
هذا المشهد هو استعارة قوية عن الاستعمار والرأسمالية المتوحشة. الآلة تمثل كيف بنت الدول الغربية ثروتها ورفاهيتها (الشمبانيا والموسيقى) على حساب معاناة واستغلال وقتل الشعوب الأخرى (العبيد داخل الآلة)، وهو ما يفسر شعور جوناثان بالذنب الجماعي.